محمد جواد مغنية
690
عقليات إسلامية
وهناك أسباب سياسية لتوالي المحن على آل البيت من الحكام ، واذاعتها بين الجماهير أكثر من غيرها . لما يئس المسلمون من اصلاح الحاكم تمنوا ان يدبر شؤونهم امام عادل ناصح للّه ورسوله ، وفي آل البيت خير من توافرت فيه هذه الصفات ، بل كان في المسلمين حزب قوي منتشر في أقطار الأرض يدين بالتشيع لهم ، ويرى أن الخلافة حق خصه اللّه بعلي وبنيه . وقد اعلن الشيعة هذا المبدأ في اشعارهم ، واتخذوه أساسا لتعاليمهم ، وعملوا على بثه في الجهر والخفاء ، ولم يتركوا فرصة تمرّ إلّا عدّدوا مناقب آل البيت ومثالب من غصبهم هذا الحق . فرأى الحكام في آل البيت وشيعتهم خطرا كبيرا على سلامة الدولة وأمنها أكثر من غيرهم فخصّوهم بالقسط الأوفر من المحن ، ونكّلوا بهم بقسوة تفوق كل قسوة . وقد رأى الناس في هذه المحن موردا خصبا للتشهير بالحاكم وإثارة الجمهير ، ولا شيء كالخطوب والمآسي تستدعي عطف الناس ، وتثير اشفاقهم ورحمتهم ، وكلنا يعرف كيف استغلّ معاوية قميص عثمان لتأليب أهل الشام على عليّ . فالشيعة أذاعوا تلك المحن وبكوا واستبكوا الناس وفاء لأئمتهم . ولبث الدعوة لهم ونشر مبادئهم . واذاعها كل ناقم ومعارض للأنظمة السياسية تبريرا لنقمته ومعارضته ودعما لأقواله وحجته تظلم الشعب لآل البيت ، وفي الوقت نفسه عبر بمحنهم عن ثورته على الفساد . ان محن آل البيت هي محن الشعب ، ومحنه محنهم ، وقد اعرب عن آلامه بما ألمّ بهم ، لإثارة العواطف ، لأنّ من أساء إليهم فبالأحرى ان يسيء إلى غيرهم ، ولأنهم المجموعة الكريمة الطيبة التي يرى فيها الشعب مثاله الأعلى ويتمنى ان تقوده هي ، أو من يماثلها في الصفات والمؤهلات والّا فان الثورة على النظام الجائر محتمة لا محالة .